
جميع مواعيد هذه السلسلة
يُعد نادي أرسنال اللندني مثالًا على أن كرة القدم أكبر بكثير من مجرد الفوز بالبطولات. فهي مشاعر وشخصيات استثنائية وهزائم مؤلمة ولحظات تبقى محفورة في ذاكرة الجماهير إلى الأبد. فمن الفرق الأسطورية التي قادها جورج غراهام، مرورًا بفريق «اللا يُقهرون» بقيادة أرسين فينغر، وصولًا إلى الفريق الذي يعمل ميكيل أرتيتا على بنائه اليوم، يواصل الغانرز سعيهم إلى ترسيخ مكانتهم بين كبار كرة القدم.
تأسس أرسنال عام 1886، وأصبح على مدى العقود أحد أشهر الأندية في كرة القدم الإنجليزية. وقد مرّ على النادي العديد من اللاعبين الاستثنائيين، لكن موسم 2003-2004 شكّل أحد أهم فصول تاريخه، بعدما حقق الفريق إنجازًا لا يزال يثير الإعجاب حتى اليوم.
كان أرسين فينغر في قلب ذلك النجاح، إذ بنى فريقًا يجمع بين المهارة الفنية والسرعة والقوة البدنية والذكاء الكروي الاستثنائي. كان تييري هنري قادرًا على حسم المباريات بمفرده تقريبًا، بينما أذهل دينيس بيركامب الجماهير بإبداعه، ومنح باتريك فييرا الفريق شخصيته القوية، وأضاف روبرت بيريس الأناقة والدقة إلى خط الهجوم. أما سول كامبل وكولو توريه، فشكّلا ركيزتين أساسيتين في الدفاع.
بدأت القصة في 7 مايو 2003، عندما فاز أرسنال على ساوثهامبتون بنتيجة 6-1 في ملعب هايبري. جاء ذلك الانتصار بعد نهاية مخيبة للآمال في سباق اللقب، الذي حسمه مانشستر يونايتد. ولم يكن أحد يتوقع أن يصبح ذلك الفوز بداية واحدة من أكثر السلاسل استثنائية في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز.
بعد ذلك، خاض أرسنال 49 مباراة متتالية في الدوري من دون هزيمة، محققًا 36 انتصارًا و13 تعادلًا. وفي موسم 2003-2004، أنهى الفريق مشواره في الدوري برصيد 26 فوزًا و12 تعادلًا، من دون أن يتعرض لأي خسارة. وهكذا وُلد لقب «اللا يُقهرون».
لم تخلُ هذه السلسلة من اللحظات التي كادت أن تنتهي فيها. ففي سبتمبر 2003، واجه أرسنال مانشستر يونايتد على ملعب أولد ترافورد. وقبل نهاية المباراة، أهدر رود فان نيستلروي ركلة جزاء بعدما اصطدمت الكرة بالعارضة. وانتهت المباراة بالتعادل السلبي، ليتنفس مشجعو أرسنال الصعداء. وأصبحت تلك اللحظة واحدة من أكثر المشاهد رسوخًا في ذاكرة السلسلة التاريخية.
كان فريق فينغر قادرًا أيضًا على الفوز في أصعب الملاعب، بما في ذلك أنفيلد وستامفورد بريدج. ومن المباريات التي تحتل مكانة خاصة في تاريخ النادي مواجهته أمام ليفربول في أبريل 2004. كان أرسنال متأخرًا بنتيجة 2-1 عند نهاية الشوط الأول، لكنه عاد ليفوز 4-2، وسجل تييري هنري ثلاثة أهداف. لم تُظهر تلك المباراة المهارة الفنية للفريق فحسب، بل كشفت أيضًا عن قوته الذهنية وإصراره على مواصلة المنافسة على اللقب.
في 25 أبريل 2004، ضمن أرسنال التتويج بالبطولة بعد تعادله 2-2 مع توتنهام على ملعب وايت هارت لين. وكان لحسم اللقب على أرض الغريم المحلي طابع خاص زاد الإنجاز قيمة. انتهى الموسم من دون أي هزيمة، ودخل الفريق تاريخ كرة القدم بوصفه أحد أبرز فرق عصره.
لكن تاريخ أرسنال لا يقتصر على فينغر وفريقه الذي لم يُهزم. فقد لعب جورج غراهام دورًا مهمًا في نجاحات النادي خلال أواخر ثمانينيات القرن الماضي وبداية التسعينيات. وفي موسم 1991-1992، بدأ أرسنال مشواره بصفته حامل اللقب، وكان يضم لاعبين مثل آلان سميث وبول ميرسون وكيفن كامبل.
ويُعد ليام برادي أيضًا من الشخصيات المهمة في تاريخ النادي. فقد اشتهر بمهاراته لاعبًا، ثم انتقل لاحقًا إلى العمل التدريبي. وبعد مغادرته أرسنال، تولى تدريب برايتون أند هوف ألبيون. وعندما واجه النادي صعوبات مالية خطيرة، شارك برادي في الجهود الرامية إلى إنقاذه. وفي عام 1996، عرض تقديم 40 ألف جنيه إسترليني من أمواله الخاصة لدعم اتفاق أتاح لبرايتون البقاء موسمًا إضافيًا في ملعب غولدستون غراوند. وتذكّرنا هذه القصة بأن ارتباط الإنسان بناديه لا ينتهي بالضرورة مع صافرة نهاية مسيرته لاعبًا أو مدربًا.
في عام 2006، غادر أرسنال ملعب هايبري التاريخي وانتقل إلى ملعب الإمارات. مثّل هذا الانتقال مرحلة جديدة في تطور النادي، لكنه لم ينهِ التحديات الرياضية. فقد اضطر الفريق إلى التأقلم مع منافسة متزايدة في الدوري الإنجليزي الممتاز، وبعد رحيل فينغر بدأ النادي مرحلة جديدة من إعادة البناء.
ركز ميكيل أرتيتا على التنظيم التكتيكي وشدة الأداء وتطوير اللاعبين الشباب. وأصبح بوكايو ساكا أحد أبرز وجوه الفريق الجديد، كما تطور ليكون قائدًا مهمًا في خط الهجوم. واستعاد أرسنال تدريجيًا مكانته بين أبرز الأندية الإنجليزية، وعادت المنافسة على أعلى المستويات الأوروبية لتكون جزءًا أساسيًا من طموحات النادي.
ومن الأحداث البارزة فوز أرسنال على ليل بنتيجة 3-0 في دوري أبطال أوروبا يوم 13 أكتوبر 2026. حسم الفريق المباراة في الشوط الثاني، بعدما سجل ثلاثة أهداف خلال سبع دقائق فقط. وسجل كل من يورين تيمبر وإيبيريتشي إيزي وبوكايو ساكا. كما شارك نوني مادويكي، ليخوض مباراته الخمسين بقميص النادي اللندني.
حملت المباراة أيضًا بُعدًا عاطفيًا، إذ كرّم الفريق كين فراير، المسؤول التاريخي والرئيس الفخري لأرسنال، الذي توفي مؤخرًا. وارتدى اللاعبون شارات سوداء حدادًا عليه، وأهدوا الفوز إلى ذكراه. كما شارك أوليفييه جيرو، مهاجم أرسنال السابق الذي سجل أكثر من مئة هدف للنادي.
لا يزال أرسنال ناديًا يفرض تاريخه معايير عالية على حاضره، لكن إنجازات الماضي لا تعفي لاعبيه الحاليين من مسؤولية كتابة تاريخهم الخاص. ويظل فريق «اللا يُقهرون» مصدر إلهام للأجيال الجديدة، رغم أن كرة القدم الحديثة تفرض تحديات مختلفة تمامًا. فالمنافسة المتزايدة والضغط لتحقيق النتائج والمتطلبات التكتيكية المتصاعدة تجعل الصبر والاستمرارية عنصرين أساسيين للنجاح.
تكمن قوة أرسنال في الجمع بين التقاليد العريقة والطموح المستمر إلى التطور. إنه نادي تييري هنري ودينيس بيركامب، وباتريك فييرا وروبرت بيريس، لكنه أيضًا نادي بوكايو ساكا وجيل جديد من اللاعبين الذين يسعون إلى كتابة أسمائهم في تاريخه.
لا تتحدد عظمة أرسنال بما حققه في الماضي وحده، بل تظهر أيضًا في استمرار أجيال جديدة من المشجعين، رغم مرور السنوات، في الإيمان بأن النادي لا يزال قادرًا على صناعة لحظات أخرى لا تُنسى.